فخر الدين الرازي

11

تفسير الرازي

فَهُوَ يَرَى ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال بعض المفسرين : نزلت الآية في الوليد بن المغيرة جلس عند النبي صلى الله عليه وسلم وسمع وعظه ، وأثرت الحكمة فيه تأثيراً قوياً ، فقال له رجل : لم تترك دين آبائك ، ثم قال له : لا تخف وأعطني كذا وأنا أتحمل عنك أوزارك ، فأعطاه بعض ما التزمه ، وتولى عن الوعظ وسماع الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال بعضهم : نزلت في عثمان رضي الله عنه ، كان يعطي ماله عطاء كثيراً ، فقال له أخوه من أمه عبد الله بن سعد بن أبي سرح : يوشك أن يفنى مالك فأمسك ، فقال له عثمان : إن لي ذنوباً أرجو أن يغفر الله لي بسبب العطاء ، فقال له أخوه : أنا أتحمل عنك ذنوبك إن تعطي ناقتك مع كذا ، فأعطاه ما طلب وأمسك يده عن العطاء ، فنزلت الآية ، وهذا قول باطل لا يجوز ذكره ، لأنه لم يتواتر ذلك ولا اشتهر ، وظاهر حال عثمان رضي الله عنه يأبى ذلك ، بل الحق أن يقال : إن الله تعالى لما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم من قبل * ( فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ) * ( النجم : 29 ) وكان التولي من جملة أنواعه تولى المستغني ، فإن العالم بالشيء لا يحضر مجالس ذكر ذلك الشيء ، ويسعى في تحصيل غيره ، فقال * ( أفرأيت الذي تولى ) * عن استغناء ، أعلم بالغيب ؟ . المسألة الثانية : الفاء تقتضي كلاماً يترتب هذا عليه ، فماذا هو ؟ نقول : هو ما تقدم من بيان علم الله وقدرته ، ووعده المسئ والمحسن بالجزاء وتقديره هو أن الله تعالى لما بين أن الجزاء لا بد من وقوعه على الإساءة والإحسان ، وأن المحسن هو الذي يجتنب كبائر الإثم ، فلم يكن الإنسان مستغنياً عن سماع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه ، فبعد هذا من تولى لا يكون توليه إلا بعد غاية الحاجة ونهاية الافتقار . المسألة الثالثة : * ( الذي ) * على ما قال بعض المفسرين عائد إلى معلوم ، وهو ذلك الرجل وهو الوليد ، والظاهر أنه عائد إلى مذكور ، فإن الله تعالى قال من قبل * ( فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ) * وهو المعلوم لأن الأمر بالإعراض غير مختص بواحد من المعاندين فقال : * ( أفرأيت الذي تولى ) * أي الذي سبق ذكره ، فإن قيل : كان ينبغي أن يقول الذين تولوا ، لأن ( من ) في قوله : * ( عمن تولى ) * للعموم ؟ نقول : العود إلى اللفظ كثير شائع قال تعالى : * ( من جاء بالحسنة فله ) * ( القصص : 84 ) ولم يقل فلهم . المسألة الرابعة : قوله تعالى : * ( وأعطى قليلاً ) * ما المراد منه ؟ نقول : على ما تقدم هو المقدار الذي أعطاه الوليد ، وقوله : * ( وأكدى ) * هو ما أمسك عنه ولم يعط الكل ، وعلى هذا لو قال قائل إن الإكداء لا يكون مذموماً لأن الإعطاء كان بغير حق ، فالامتناع لا يذم عليه ، وأيضاً فلا يبقى لقوله * ( قليلاً ) * فائدة ، لأن الإعطاء حينئذ نفسه يكون مذموماً ، نقول فيه بيان خروجهم عن العقل والعرف